حسن بن موسى القادري
191
شرح حكم الشيخ الأكبر
« تعس عبد الدينار وعبد الدرهم « 1 » » أي : محبهما ، فعبر عن المحبّة بالعبودية تأمل . فلا يكون عبدا خالصا صرفا ، ولا يخرج عن حسّه أحد من الآحاد إلا العبد الذي استخلصه اللّه ذلك العبد واختاره واصطفاه لنفسه ، فوجّهه بقلبه إلى نفسه ، وقطعه عن جميع التعلقات الكونية فوحدّ عزيمته ، وأدام جمعيته ، فهو فان عن حسّه ، ولا يرى لنفسه محسوسات ولا مدركات ولا معلومات ولا معقولات بإفناء اللّه تعالى إيّاه حيث تجلّى عليه بصفة من صفاته ، فبظهور صفة من صفاته تضمحل مكنوناته ؛ لأنه إذا قورن الحادث بالقديم تلاشى الحادث في القديم لغلبة سلطانه ، فالعبد إذا رأى قلبه منقطعا عمّا سواه مستقلا باللّه ، مستغرقا في ذكر اللّه ومشاهدته ، فليعرف بأنه ممن أصطفاهم اللّه ، واختارهم لنفسه فهو موفق ، ومن أهل العنايات الإلهية ، فليحمد اللّه على ما هداه ، وليشكره على ما أعطاه . وفي كلام الشيخ قدّس سرّه إشارة إلى عدم إمكان الخروج عن قيد الرسوم ، وأنه محال إذا لم يكن باللّه ، فالمخرج والمسلك ( هو ) والموصل ( هو ) ، فلا يخرج خارج ، ولا يصل واصل ، ولا يدخل داخل إلا به ، وفي الحقيقة لا تمايز بين هؤلاء ، وبينه إلا بالإطلاق والتقييد فهو تعالى مطلق ، وهؤلاء مقيدة ، والمقيد عين المطلق برفع القيد ، وقد صرّح الشيخ رحمه اللّه باتّحاد هؤلاء حقيقة ، وتعددها صورة ، ولا يكون عارفا بالأمر على ما هو عليه أحد إلا بهذا ، ودليل هذا حديث النوافل المشهور ، وهو : « كنت سمعه ، وبصره ، ويده ، ولسانه ، ورجله « 2 » » « 3 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1057 ) ، الترمذي في السنن ( 4 / 587 ) ، ابن ماجة في السنن ( 2 / 1385 ) . ( 2 ) رواه هكذا الحكيم الترمذي في الأمثال من الكتاب والسنة ( 1 / 135 ) ، وذكره ابن حجر في فتح الباري ( 11 / 344 ) ، وأصله في البخاري كما تقدم . ( 3 ) قال سيدنا الشعراني : ما بقي أحد من الخلق إلا قال بالاتحاد ، فما سلم منه أحد ، لا سيّما العلماء باللّه الذين علموا الأمر على ما هو عليه من شدة الوصلة والقرب ، كما أنشد بعضهم : عجبت منك ومنّي * أشغلتني بك عنّي أدنيتني منك حتّى * ظننت أنّك أنّي -